الغزالي
36
إحياء علوم الدين
الدنيا ، المصروف همه إلى الله تعالى ، فتقول له النار : جز يا مؤمن ، فإن نورك قد اطفأ لهبي فمهما اتفق قبض الروح في حالة غلبة حب الدنيا فالأمر مخطر ، لأن المرء يموت على ما عاش عليه ، ولا يمكن اكتساب صفة أخرى للقلب بعد الموت تضاد الصفة الغالبة عليه . إذ لا تصرف في القلوب إلا بأعمال الجوارح ، وقد بطلت الجوارح بالموت ، فبطلت الأعمال فلا مطمع في عمل ، ولا مطمع في رجوع إلى الدنيا ليتدارك . وعند ذلك تعظم الحسرة إلا أن أصل الإيمان وحب الله تعالى إذا كان قد رسخ في القلب مدة طويلة ، وتأكد ذلك بالأعمال الصالحة ، فإنه يمحو عن القلب هذه الحالة التي عرضت له عند الموت . فإن كان إيمانه في القوة إلى حد مثقال ، أخرجه من النار في زمان أقرب . وإن كان أقل من ذلك ، طال مكثه في النار . ولو لم يكن إلا مثقال حبة ، فلا بدو أن يخرجه من النار ولو بعد آلاف سنين فإن قلت : فما ذكرته يقتضي أن تسرع النار إليه عقيب موته ، فما باله يؤخر إلى يوم القيامة ، ويمهل طول هذه المدة فاعلم أن كل من أنكر عذاب القبر فهو مبتدع محجوب عن نور الله تعالى ، وعن نور القرءان ونور الإيمان . بل الصحيح عند ذوي الأبصار ما صحت به الأخبار ، وهو أن [ 1 ] القبر إما حفرة من حفر النار ، أو روضة من رياض الجنة . [ 2 ] وأنه قد يفتح إلى قبر المعذب سبعون بابا من الجحيم كما وردت به الأخبار ، فلا تفارقه روحه إلا وقد نزل به البلاء إن كان قد شقي بسوء الخاتمة . وإنما تختلف أصناف العذاب باختلاف الأوقات . فيكون [ 3 ] سؤال منكر ونكير عند الوضع في القبر ، [ 4 ] والتعذيب بعده ، ثم [ 5 ] المناقشة في الحساب ، [ 6 ] والافتضاح